محمد بن جرير الطبري
319
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن الأَزواج دون غيره وأما الذين أوجبوا الإِحداد على عدة المتوفي عنها زوجها ، وترك النقلة عن منزلها الذي كانت تسكنه يوم توفي عنها زوجها ، فإنهم اعتلوا بظاهر التنزيل وقالوا : أمر الله المتوفي عنها أن تربص بنفسها أربعة أشهر وعشرا ، فلم يأمرها بالتربص بشيء مسمى في التنزيل بعينه ، بل عم بذلك معاني التربص قالوا : فالواجب عليها أن تربص بنفسها عن كل شيء ، إلا ما أطلقته لها حجة يجب التسليم لها قالوا : فالتربص عن الطيب والزينة والنقلة مما هو داخل في عموم الآية كما التربص عن الأَزواج داخل فيها قالوا : وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر بالذي قلنا في الزينة والطيب أما في النقلة ، فإن : أبا كريب حدثنا ، قال : ثنا يونس بن محمد ، عن فليح بن سليمان ، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته الفريعة ابنة مالك أخت أبي سعيد الخدري قالت : قتل زوجي وأنا في دار عدة المتوفي عنها زوجها ، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النقلة ، فأذن لي ثم ناداني بعد أن توليت ، فرجعت إليه ، فقال : " يا فريعة حتى يبلغ الكتاب أجله " قالوا : فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم صحة ما قلنا في معنى تربص المتوفي عنها زوجها ما خالفه قالوا : وأما ما روي عن ابن عباس فإنه لا معنى له بخروجه عن ظاهر التنزيل والثابت من الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا : وأما الخبر الذي روي عن أسماء ابنة عميس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره إياها بالتسلب ثلاثا ، ثم أن تصنع ما بدا لها ، فإنه غير دال على أن لا إحداد على المرأة ، بل إنما دل على أمر النبي صلى الله عليه وسلم إياها بالتسلب ثلاثا ، ثم العمل بما بدا لها من لبس ما شاءت من الثياب مما يحوز للمعتدة لبسه مما لم يكن زينة ولا تطيبا ؛ لأَنه قد يكون من الثياب ما ليس بزينة ولا ثياب تسلب وذلك كالذي أذن صلى الله عليه وسلم للمتوفي عنها أن تلبس من ثياب العصب وبرود اليمن ، فإن ذلك لا من ثياب زينة ولا من ثياب تسلب ، وكذلك كل ثوب لم يدخل عليه صبغ بعد نسجه مما يصبغه الناس لتزيينه ، فإن لها لبسه ، لأَنها تلبسه غير متزينة الزينة التي يعرفها الناس فإن قال لنا قائل : وكيف قيل يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ولم يقل وعشرة ؟ وإذ كان التنزيل كذلك أفبالليالي تعتد عدة المتوفي عنها زوجها العشر أم بالأَيام ؟ قيل : بل تعتد بالأَيام بلياليها فإن قال : فإذ كان ذلك كذلك فكيف قيل وعشرا ولم يقل وعشرة ، والعشر بغير الهاء من عدد الليالي دون الأَيام ؟ فإن أجاز ذلك المعنى فيه ما قلت ، فهل تجيز عندي عشر وأنت تريد عشرة من رجال ونساء ؟ قلت : ذلك جائز في عدد الليالي والأَيام ، وغير جائز مثله في عدد بني آدم من الرجال والنساء ؛ وذلك أن العرب في الأَيام والليالي خاصة إذا أبهمت العدد غلبت فيه الليالي ، حتى إنهم فيما روي لنا عنهم ليقولون : صمنا عشرا من شهر رمضان ، لتغليبهم الليالي على الأَيام ؛ وذلك أن العدد عندهم قد جرى في ذلك بالليالي دون الأَيام ، فإذا أظهروا مع العدد مفسره أسقطوا من عدد المؤنث الهاء ، وأثبتوها في عدد المذكر ، كما قال تعالى ذكره : سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فأسقط الهاء من سبع ، وأثبتها في الثمانية وأما بنو آدم ، فإن من شأن العرب إذا اجتمعت الرجال والنساء ثم أبهمت عددها أن تخرجه على عدد الذكران دون الإِناث ، وذلك أن الذكران من بني آدم موسوم واحدهم وجمعه بغير سمة إناثهم ، وليس كذلك سائر الأَشياء غيرهم ، وذلك أن الذكور من غيرهم ربما وسم بسمة الأنثى ، كما قيل للذكر والأنثى شاة ، وقيل للذكور والإِناث من البقر بقر ، وليس كذلك في بني آدم فإن قال : فما معنى زيادة هذه العشرة الأَيام على الأَشهر ؟ قيل : قد قيل في ذلك فيما : حدثنا به ابن وكيع قال : ثنا أبي ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً